محمد ابو زهره
677
خاتم النبيين ( ص )
فسلم اللّه تعالى أولياءه ، وخرج المسلمون وصحبه إلى بدر . وأخذوا معهم بضائع ، وقالوا : إن وجدنا أبا سفيان ، وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر . خرج المسلمون كما ترى يتمنون أن يكسروا أنف الشرك . خرج النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى بدر ومعه نحو خمسمائة وألف ، وقد خرج على نية لقاء العدو حتى نزل وانتظر ثماني ليال ، عساه يلقى قريشا بقيادة أبي سفيان كما وعد أو توعد ، ولكنه لم يجيء في الميقات . وأبو سفيان كان قد أراد الخروج على تردد ، فخرج في أهل مكة ، حتى نزل مجنة من ناحية الظهران ، ولكنه مع خروجه ووصوله إلى ذلك المكان كان التردد لا يزال يسيطر عليه ، خشية العاقبة ، ولذا بدا له أن يعود من حيث نزح ، وقال في سبب نكوصه لقومه : « يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر ، وتشربون اللبن ، فإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا » . . . فكان أهل مكة المكرمة يسمون الجيش الذي خرج بقيادة أبي سفيان ثم عاد جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق . ولعل هذه النظرة وذلك القول فيه لوم وتهكم ، لأنهم خرجوا للقتال وعادوا من غير لقاء أو قرب منه . وإن هذا يدل على أن أبا سفيان تخاذل عن اللقاء ، والسبب الذي استحله للعودة وهو الجدب كان قائما وقت الخروج فكان أولى أن يمنع الخروج ، لا أن يوجبه . ولكنه فكر وقدر الهزيمة ، وقد ذاق مرارتها في بدر ، فاثر العافية ، ورضى من الغنيمة بالإياب . وأتى إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وهو بماء بدر بعض بنى ضمرة الذين كان قد وادهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في غزوة ودان التي غزاها ، وقال للرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم : يا محمد أجئت للقاء قريش ، وقد يوهم سؤاله أنه مال مع المائلين لقريش بعد أحد ، وإشاعة قريش أن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم هزم ، وما كانت هزيمة . قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « نعم أخا بنى ضمرة وإن شئت رددنا - أي ما كان بيننا وبينك من موادعة - وجالدناك حتى يحكم اللّه بيننا وبينك » . قال : لا ، واللّه يا محمد ما لنا بذلك من حاجة . رجع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى المدينة ، ولم يلق حربا ، وكان النكوص من جانبهم وإن ذلك بلا ريب يزيل ما كانوا يرجونه من إشاعة الهزيمة ليوهنوا شأن النبي والمؤمنين في بلاد العرب ، ويعلو شأنهم فيتهيبهم الناس دونه .